shopify stats

أخبار وبرامج إذاعية راديو ثويزا

محمد السقفاتي: “اثويزا”.. خاصية تنظيمية عند الريفيين يتوجس منها النظام

“استُنفر الرجال وكأن زمن المقاومة والبارود قد عاد. استُنفرت النساء لطحن الشعير وعجن الخبز للمتطوعين، وجاد أصحاب اليسر بما فاض عن حاجاتهم من تين مجفف وزبيب ولبن. أسبوع واحد كان كافيا لوصل الطريق الجديدة بتلك التي كان الإسبان قد حفروها في الثلاثينات. حفل إتمام شق الطريق الجديدة، والتي لا يزيد طولها عن أربعة كيلومترات كأقصى تقدير، نُظم في المسجد العتيق، حيث نُحر عنزان وصدح القرّاء بتلاوة سُوَر من القرآن الكريم، واجتهد مقرئ شاب في تجويد سورة الفتح، مظهرا جهدا لا ينكر في اختبار حبال صوته، وكرر مرارا “إنَّا فتحنا لك فتحا مبينا”. نجح المقرئ الشاب إلى حد كبير في شد انتباه الحاضرين إلى موجات صوته الصاعدة والنازلة مع مخارج حروف محشرجة. لا يمكن الجزم بأن المنصتين فهموا كل ما تلي عليهم، ولكن حناجرهم علت بالشكر والثناء حينما توقف المقرئ الشاب عن التلاوة.

ظن الناس أن هذه الفرحة سيتقاسمها معهم الحكام الجدد عندما يبلغهم الخبر السعيد. غير أن المسؤول الأول في الإدارة المدعو القايد بوسلهام انفجر غاضبا لما علم بالخبر. كاد يبعث قوات “المخازنية” في حملة تأديبية، لولا نصيحة قدمها له أحد المتعاونين الجدد. وبمجرد ما انتهت الأشغال، استدعى القايد بوسلهام المقدم حمو. كاد الدم يفور من منخره. ”

قصة قصيرة مستوحاة من حدث جرى عام 1957 في إحدى القرى الريفية، لكاتبها محمد أمزيان

****

تشتت

قد يتفق على الأقل ثمانية من عشرة أشخاص على أن الريفيين مشتتون، وتعرف العلاقات فيما بينهم نزعات قوية وصراعات مختلفة، وسيؤكدون أن خاصية التعاون فيما بينهم ضعيفة جدا إلى شبه منعدمة. سيؤكدون أيضا بنفس العدد أو أكثر، على أن مهارات التنظيم عندهم شبه منعدمة وضعيفة جدا على كل حال. لكن كيف لهذا الشعب الريفي أن يكتسب هذه الأوصاف وينعت بالضعف في مجال التعاون والتنظيم، في حين أن تراثه وثقافته غنية بأمثلة تثبت العكس؟

قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك والمتشعب، وإدراج مثال توضيحي أو أمثلة في هذا السياق، فلا بد لنا أولا أن نقف عند ماهية التنظيم والتعاون.

يُعرَّف التنظيم بكونه كيانا يتكون من مجموعة من الناس يجمع فيما بينهم سعي مشترك لتحقيق غرض ما، بواسطة استعمال معين وفي درجات متفاوتة للأدوات أو للتكنولوجيا.

داخل التنظيم نتكلم عن مهام ذات طبيعة مختلفة ويتم تقسيمها وتوزيعها بين أفراده، حيث يتم فيها اتخاذ ترتيبات مختلفة فيما يتعلق بمن يفعل ماذا. ولكي يدار التنظيم وتدبر أمور التعاون فيه بشكل جيد، ويوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، يتم منح الأعضاء مسؤولية تنسيق مهمة معينة، كما يتم تدبير رصدها ومراقبتها.

إن التنظيم كيان معقد على خلاف ‘التعاون’ الذي يتشكل ما إن يمد فرد يد العون للآخر لإنجاز مهمة أو مهمات بهدف قد يكون، التقصير من الوقت الذي يستلزمه الإنجاز، وقد يكون توزيعا لطاقة التحمل بين فردين على الأقل، أو كليهما في آن واحد، ويشكل التعاون لبنة أساسية في بنية التنظيم، حيث يستعصي على المرء فصلهما.

في الريف مثلا يتعاون الناس فيما بينهم ويؤازرون بعضهم بعضا لهدف إنجاز الكثير من المهام اليومية أو الموسمية التي يتطلبها العيش في أرياف الريف. في كثير من الحالات يتم هذا التعاون في إطار كبير ومنظم جدا ك ” اثويزا” مثلا.

“أثمون” .. مثال التضامن

فلنسرد في هذا السياق مثالا حيا لنرى كيف تتشابك مفاهيم التعاون والتنظيم في عملية واحدة، ألا وهي بناء ‘أثمون’ (جمع التبن في كومة هندسية على شكل هرم دائري أو مستطيل).

عندما تجمع المحاصيل الزراعية من شعير وقمح ويتم نقلها من الحقول الى البيادر، وبعد أن يتم فصل التبن عن القمح في عملية الدرس، يتم جمع التبن في شكل يتسنى فيه الحفاظ عليه والاحتفاظ به لمدة طويلة. عملية البناء هذه تستوجب تعاونا كبيرا بين أفراد المدشر وتتم غالبا عبر ‘اثويزا’.

تساهم في هذه العملية فرقتا عمل اثنتين: الفرقة الأولى تهتم بالعمل الأساسي في عملية البناء، كما سنذكر بالتفصيل، والفرقة لن نوفيها، لأسباب، شرحا كافيا في هذا النص، وهي فرقة المساندة، تقوم بعمل ثانوي، إذ تنحصر مهمتها في تيسير وتسهيل أشغال الفرقة الأولى، كتزويد العاملين بالأدوات والماء وإعداد الأكل الجماعي أو تنظيم حفلة رقص و”إيزران” (الشعر المغنى) في النهاية.

تقسيم المهام

تحتاج الفرقة الأولى، حسب حجم المحصول الزراعي من التبن، إلى مجموعة من الناس يتمحور عددهم في الغالب تقريبا ما بين عشرة أفراد إلى عشرين فردا، ويتم اختيار هذا العدد وفق تراتب مبني على امتلاك خصائص ومؤهلات مهنية معينة في شكل هرمي كالتالي:

العمال: مجموعة من الشباب والرجال الأقوياء، يوزعون بالتناوب بين أرضية البيدر (التحت) وبين سقف كومة التبن (الفوق)، فتكون مهمة التحتيين تزويد البنائين بكميات من التبن الضروري عبر ملء “إيقبوبَن”، وهي حمالات من خشب ذات شبابيك تصلح لنقل الزرع والتبن، ورميها الى سقف البناء الهندسي، معتمدين على أياديهم وعلى المذراة (ثازّاثْ).

العمال الفوقيون تكون مهمتهم دك التبن بالأرجل وبثقلهم كي يتماسك أكثر. فوق الكومة يتواجد “معلم” واحد أو اثنان تتحدد مهمتهما في إصلاح الاعوجاجان في البناء وتكسير أماكن التبن الرخوة، ومن هنا اسمه بالريفية : “أكَسّارْ نو روومْ”. يستعمل هذان الشخصان المنجل والقصب ‘غانيمْ’ كأدوات عمل. هذه العملية كلها تتم تحت تسيير وتدبير شخص يمكن أن نسميه ب”لمعلم الكبير” الذي غالبا ما يكون بجنبه “معلم كبير” آخر كنائب له، يمده بالمعلومات والنصائح والرأي الآخر.

مسؤولية ‘لمعلم الكبير’ تكمن في القيام بالقياسات وتدبير العملية ككل، كما يكون مسؤولا عن “العمامة” أو قبة “أثمون” وعن آري وأوكُّو” وهو حبل مصنوع من الحلفاء يفتل باليد مسبقا، ثم يوضع عند نهاية البناء على رأس الهرم على شكل شبكة خيوط تتدلى إلى تحت حيث يتم ربط أظرافها بأحجار متوسطة الحجم. وبهذه الطريقة يثبت البناء (أثمون) أمام الرياح والاهتزازات.

 

إلى جانب هؤلاء العمال كلهم، يوجد شخص مهم جدا، غالبا ما يكون عجوزا ذا تجربة، لكن قواه لا تسعفه على العمل، فيأخذ على عاتقه مهمة الرصد عن بعد والمراقبة، وكثيرا ما يحمل على عاتقه أيضا فتل حبل الحلفاء بيديه أسابيع قبل الشروع في البناء.

موهبة فطرية

من تابع منكم كيف تتم عملية البناء هذه، دون الوقوف كثيرا على مهام فرقة العمل الثانوي، والتي تشكل تكميلا لـ”اثويزا”، سيدرك أن هذا الشكل التعاوني أكثر منه تنظيما على أن يكون مجرد تعاون. فحتى لو تواجدت كل الخبرات والمؤهلات لبناء ‘أثمون’ في أفراد عائلة واحدة، فيتم إعفاء بعض الأفراد من العائلة بوضعهم مع الفرقة الثانية، كي يتسنى للعملية أن تُحقق هدفها الاجتماعي كعمل يتعدى حدود العائلة.

إن ما وصفته حتى الآن، ما هو إلا مجرد مثال واحد من بين عشرات الأمثلة الأخرى التي يتعدى بعضها حتى حدود القبيلة الواحدة وينجز في إطار تعاون بين القبائل المختلفة.

هذه الخبرات اليومية التي سردت والتي يمتلكها أي ريفي، كما يستطيع أي واحد خارج الأرياف أن يندرج فيها بشكل طبيعي، فضلا عن الخبرات المؤسساتية وتلك الأكثر تعقيدا وهرمية كالعسكرية، والتي اكتُسبت خلال خوض هذا الشعب لتجربة مقاومة الاستعمار وكذا تجربة بناء مؤسسات ومرافق دولة الجمهورية الريفية (القُياد مثلا)، أو في تجربة أخرى كالمشاركة في الحرب الأهلية، فإننا سنجد أنفسنا إذن أمام شعب موهوب بالفطرة في المجال الذي يتمحور عليه هذا النص، أي التعاون والتنظيم.

لكن لماذا يملك الناس رأيا آخر حين يتعلق الأمر بهذا الموضوع الحساس جدا، والذي يظهر من خلال حقائق كثيرة، وكأنه يشكل غصة في حلق الدولة المغربية؟

في القصة القصيرة التي استهللت بها هذا النص، تظهر حساسية الموضوع جيدا. فالريف لا زال يُنظر إليه كتهديد جدي على الدولة المغربية وقد ينفلت من بين يدها في أي وقت. لهذا السبب أساسا يُنظر إلى التعاون كتهديد شأنه شأن التنظيم.

في الجزء الثاني سأتطرق الى المجهودات التي قامت بها الدولة المغربية وتقوم بها إلى حدود الساعة لنزع وتكسير أجنحة هذه الملَكة التي يمتلكها الريفيون ليتراءى لنا واقعا بالمعكوس.

Compartir en redes sociales

Comments:

Escribir un comentario


Código de seguridad
Refescar

Donación - تبرعات - Donations - Dons

Weather | El Tiempo | الأحوال الجوية

  • Alhoceima
  • Nador
  • Tanger
  • Tetouan
next
prev
 

RSS

 
 

Últimos comentarios

  • La ciudad catalana de Rosas acogió la celebración del nuevo año amazigh 2962, la fiesta más grande fuera de las fronteras del Norte de África

    Josh 14.05.2015 04:54
    buenas noches he leido tu post y estoy de acuerdo con lo que dices sin duda es profesional
     
  • África amazig, la nación Tuareg

    Aksil Amekans 19.07.2013 08:54
    Azul, a todos los Amazigh = hombre Libre, la Repùblica Amazigh del Rif Libre Tamazgha Libre Africa ...
     
  • ¡¡¡Magical Day (05/06/2013)!!! 4499 listeners on a DAY! THANKS TO ALL!!!!!!

    ⴰⴽⵙⵉⵍ ⴰⵎⴻⴽⵏⴰⵙ 06.06.2013 16:00
    Azul awma Amazigh nel mundo. Auguri dal 'Italia Torino. www.afrikawithoutborder.wordpress.com
     
  • La democracia y la laicidad son nuestros dos principales objetivos

    ⴰⴽⵙⵉⵍ ⴰⵎⴻⴽⵏⴰⵙ 04.06.2013 12:46
    Azul, awma Amazigh nel mundo. esto articolo es la respuesta ideal, de los Amazigh intelegente, Bravo ...
     
  • Curs en gestió de petites associacions

    Nike Blazer 28.05.2013 09:12
    Ciutadania de l’Ajuntament de Mataró el senyor Carlos Fernández.

Noticias + vistas

Uso de cookies: Utilizamos cookies propias y de terceros para ofrecerle un mejor servicio. Si continua navegando, consideramos que acepta su uso. Puede cambiar la configuración u obtener más información en nuestras condiciones de uso. Ver política